أبو نصر الفارابي
93
الجمع بين رأيي الحكيمين
تستحيل الحدقة ، في آن واحد بعينه ، من ألوان بلا نهاية ؛ وذلك محال ؛ إذ الاستحالة انما تكون ، لا محالة ، في زمان ومن شيء واحد بعينه ، إلى شيء واحد بعينه محدود . وان كان يحصل في بعضه دون بعض ، لزم أن تكون تلك الأجزاء « 106 » مفصّلة متميّزة ؛ وليست كذلك . وان كان ذلك الانفعال يلحق الجسم المشفّ ، اعني الهواء الذي بين البصر والمبصر ، لزم ان يكون الموضوع الواحد بالعدد قابلا للضدّين في وقت واحد معا ، وذلك محال . هذه وما أشبهها من الشناعات التي أوردوها « 107 » . ثم إن أصحاب أرسطو احتجوا على صحة ما ادعوه ، فقالوا : لو لم تكن الألوان وما يقوم مقامها ، محمولة في الجسم المشفّ بالفعل ، لما أدرك « 108 » البصر الكواكب والأشياء البعيدة جدا ، في لحظة بلا زمان . فان الذي ينتقل لا بدّ من أن يبلغ المسافة القريبة قبل بلوغه المسافة البعيدة . ونحن نلحظ الكواكب ، مع بعد المسافة ، في الزمان الذي نلحظ فيه ما هو أقرب منها ، ولا يغادر ذلك شيئا . فظهر « 109 » ، من هذه الجهة ، ان الهواء المشفّ يحمل ألوان المبصرات ، فتؤدّي إلى البصر . واحتجّ أصحاب أفلاطون على صحة ما ادعوه من أن شيئا ينبثّ ويخرج من البصر إلى المبصر فيلاقيه ، بان المبصرات ، متى كانت متفاوتة بالمسافات ، أدركنا ما هو أقرب دون ما هو ابعد ، والعلة في ذلك ان الشيء الخارج من البصر يدرك بقوّته « 110 » ما يقرب منه ، ثم لا يزال يضعف « 111 » ، فيكون ادراكه اقلّ واقلّ ، حتى تفنى قوّته ، فلا يدرك ما هو بعيد عنه جدا البتة . ومما يؤكد هذه الدعوى ، انّا متى مددنا ابصارنا إلى مسافة بعيدة ، وأوقعناها « 112 » على مبصر ينجلي « 113 » بضوء نار قريبة منه ، أدركنا ذلك المبصر ، وان كانت المسافة التي بيننا وبينه مظلمة . فلو كان الامر على ما قاله أرسطو وأصحابه ، لوجب ان يكون جميع المسافة التي بيننا وبين المبصر مضيئا ليحمل الألوان فتؤدي إلى البصر . فلما وجدنا الجسم المتجلي من بعد مبصرا ، علمنا أن شيئا خرج من البصر وامتدّ ، وقطع الظلمة ، وبلغ « 114 » المبصر الذي تجلى بضوء
--> ( 106 ) « ا » الاجزاء ؛ « ب » الا خيرا . ( 107 ) « ا » أوردوها ؛ « ب » أوردها . ( 108 ) « ا » لما أدرك ؛ « ب » لا ادراك . ( 109 ) « ا » فظهر ؛ « ب » فظاهر . ( 110 ) « ا » بقوته ؛ « ب » هو به . ( 111 ) « ا » يضعف ؛ « ب » الضعيف . ( 112 ) « ا » فاوقعناها ؛ « ب » فاوقفناها ؛ « د » وأوقعناها . ( 113 ) « ا » بضوء ؛ « ب » بصور . ( 114 ) « ا » وبلغ ؛ « ب » والبلغ .